ابن أبي الحديد
87
شرح نهج البلاغة
وأيضا يقال مثل زيد بحضرتي إذا حضر قائما ، ومثلته بين يدي زيد أي أحضرته منتصبا ، فلما كان الله تعالى فعل القرآن واضحا بينا كان قد مثله للمكلفين * * * الأصل : لا يقال كان بعد أن لم يكن ، فتجري عليه الصفات المحدثات ولا يكون بينها وبينه فصل ، ولا له عليها فضل ، فيستوي الصانع والمصنوع ، ويتكافأ المبتدع والبديع . خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره ، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه ، وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال ، وأرساها على غير قرار ، وأقامها بغير قوائم ، ورفعها بغير دعائم ، وحصنها من الأود والاعوجاج ، ومنعها من التهافت والانفراج . أرسى أوتادها ، وضرب أسدادها ، واستفاض عيونها ، وخد أوديتها ، فلم يهن ما بناه ولا ضعف ما قواه . * * * الشرح : عاد عليه السلام إلى تنزيه البارئ تعالى عن الحدوث ، فقال لا يجوز أن يوصف به فتجري عليه الصفات المحدثات كما تجرى على كل محدث ، وروى ( فتجري عليه صفات المحدثات ) وهو أليق ، ليعود إلى المحدثات ذوات الصفات ما بعده ; وهو قوله عليه السلام ( ولا يكون بينه وبينها فصل ) ، لأنه لا يحسن أن يعود الضمير في قوله ( وبينها ) إلى ( الصفات ) بل إلى ( ذوات الصفات ) .